عبد السلام مقبل المجيدي

251

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

والآخر : أن يكون ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى تأكيدا لمضمون قوله فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى لرفع احتمال المجاز في تشبيه العرب ، أي هو قرب حسي ، وليس مجرد اتصال روحاني ، فيكون الاستفهام في قوله أَ فَتُمارُونَهُ مستعملا في الفرض ، والتقدير : أفستكذبونه فيما يرى بعينيه ، كما كذبتموه فيما بلغكم عن اللّه سبحانه وتعالى « 1 » . والمعنى : رآه بعينه ، وعرفه بقلبه ، ولم يشك في أن ما رآه حق « 2 » ، ويمكن للباحث أن يقول : إن قراءة التشديد كَذَبَ تفيد يقينه مما رآه ، وقراءة التخفيف كَذَبَ تفيد صدقه فيما نقل « 3 » . . . وفي ذلك تنويه بمدى الدقة ، وطمأنينة بحقيقة الواقع المحكي . . . وتعدية الفعل بحرف الاستعلاء لتضمنه معنى الغلبة أي : هبكم غالبتموه على عبادتكم الآلهة ، وعلى الإعراض عن سماع القرآن ، ونحو ذلك ، أتغلبونه على ما رأى ببصره « 4 » ، فهذا المقطع يؤكد تلقي الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن جبريل عليه السلام تلقي رؤية ، وتمكن ودقة ، لا رؤية قلب ، وعين فحسب ، وخص الفؤاد ؛ لأن رؤية الفؤاد لا يتأتى معها تخيل ، بخلاف رؤية

--> ( 1 ) انظر : التحرير والتنوير 26 / 99 ، مرجع سابق . ( 2 ) انظر : البحر المحيط 8 / 158 ، مرجع سابق ، وقد قيل : إن المرئي هو اللّه عزّ وجل ، ويكفيه ضعفا حديث عائشة - رضي اللّه تعالى عنها - المتقدم لفظه في المبحث الأول من الفصل الثالث ص 77 وما قبلها - ، والحديث في صحيح مسلم 1 / 159 ، مرجع سابق . لا جرم أن نقدم خبر عائشة على تأويل ابن عباس ؛ فترجيحه ظاهر من حيث أنها سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أما ابن عباس فظاهر كلامه أنه مجرد استنتاج ، فتطرق الاحتمال إلى روايات غيرها لا إلى حديثها كما هو ظاهر ، وانظر : البحر 8 / 158 ، مرجع سابق ، تفسير ابن كثير 4 / 210 ، مرجع سابق ، وانظر : المبحث الأول في الفصل الثالث . ( 3 ) قرأ بالتثقيل هشام عن ابن عامر ، وأبو جعفر من العشرة ، وبقية العشرة بالتخفيف . . . انظر : ( ابن الجزري ) محمد بن محمد بن محمد بن علي ت 833 ه : طيبة النشر في القراءات العشر ص 97 ، مرجع سابق ، عند قول الناظم : ( كذب الثقيل لي ثنا ) ( 4 ) انظر : حاشية الصاوي 4 / 175 ، مرجع سابق ، التحرير والتنوير 26 / 99 ، مرجع سابق ، وقيل : إن المراد أمر الإسراء والمعراج ، والسياق وسبب السورة يبعدان ذلك ، وتقدم نوع إشارة لذلك ، انظر : المبحث الأول من الفصل الثالث ص 72 .